ابن كثير
59
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
والمبايعة عن قومهم للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم على السمع والطاعة « 1 » . قال الإمام أحمد « 2 » : حدثنا حسن بن موسى ، حدثنا حماد بن زيد عن مجالد عن الشعبي ، عن مسروق قال : كنا جلوسا عند عبد اللّه بن مسعود وهو يقرئنا القرآن ، فقال له رجل : يا أبا عبد الرحمن ، هل سألتم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كم يملك هذه الأمة من خليفة ؟ فقال عبد اللّه : ما سألني عنها أحد منذ قدمت العراق قبلك ، ثم قال : نعم ، ولقد سألنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال « اثنا عشر كعدة نقباء بني إسرائيل » هذا حديث غريب من هذا الوجه ، وأصل هذا الحديث ثابت في الصحيحين من حديث جابر بن سمرة ، قال : سمعت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقول « لا يزال أمر الناس ماضيا ما وليهم اثنا عشر رجلا » ثم تكلم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بكلمة خفيت علي ، فسألت أي ماذا قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم ؟ قال « كلهم من قريش » وهذا لفظ مسلم « 3 » . ومعنى هذا الحديث البشارة بوجود اثني عشر خليفة صالحا يقيم الحق ويعدل فيهم ، ولا يلزم من هذا تواليهم وتتابع أيامهم ، بل وقد وجد منهم أربعة على نسق وهم الخلفاء الأربعة : أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ، رضي اللّه عنهم ، ومنهم عمر بن عبد العزيز بلا شك عند الأئمة وبعض بني العباس ، ولا تقوم الساعة حتى تكون ولايتهم لا محالة ، والظاهر أن منهم المهدي المبشر به في الأحاديث الواردة بذكره ، فذكر أنه يواطئ اسمه اسم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم واسم أبيه اسم أبيه ، فيملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما ، وليس هذا بالمنتظر الذي تتوهم الرافضة وجوده ثم ظهوره من سرداب سامرا ، فإن ذلك ليس له حقيقة ولا وجود بالكلية ، بل هو من هوس العقول السخيفة ، وتوهم الخيالات الضعيفة ، وليس المراد بهؤلاء الخلفاء الاثني عشر الأئمة الاثني عشر الذين يعتقد فيهم الاثنا عشر من الروافض لجهلهم وقلة عقلهم . وفي التوراة البشارة بإسماعيل عليه السلام ، وأن اللّه يقيم من صلبه اثني عشر عظيما ، وهم هؤلاء الخلفاء الاثنا عشر المذكورون في حديث ابن مسعود وجابر بن سمرة ، وبعض الجهلة ممن أسلم من اليهود إذا اقترن بهم بعض الشيعة يوهمونهم أنهم الأئمة الاثنا عشر ، فيتشيع كثير منهم جهلا وسفها لقلة علمهم وعلم من لقنهم ذلك بالسنن الثابتة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم . وقوله تعالى : وَقالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ أي بحفظي وكلاءتي ونصري لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي أي صدّقتموهم فيما يجيئونكم به من الوحي ، وَعَزَّرْتُمُوهُمْ أي نصرتموهم ووازرتموهم على الحق وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وهو الإنفاق في سبيله وابتغاء مرضاته ، لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ أي ذنوبكم أمحوها وأسترها ولا أؤاخذكم بها ، وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أي أدفع عنكم المحذور وأحصل لكم المقصود .
--> ( 1 ) انظر سيرة ابن هشام 1 / 443 - 445 . ( 2 ) مسند أحمد 1 / 398 . ( 3 ) صحيح مسلم ( إمارة حديث 6 )